الرئيسية / المرصد في الإعلام / جريدة الصباح: إغلاق معبر سبتة… هدوء يسبق العاصفة

جريدة الصباح: إغلاق معبر سبتة… هدوء يسبق العاصفة

احتقان واحتجاجات بالمنطقة الشمالية تهدد الاستقرار والسلم الاجتماعي

تعيش المدن الشمالية المتاخمة للثغر المحتل سبتة، منذ إعلان السلطات الإسبانية إغلاق المعابر الحدودية بشكل نهائي في وجه سكان المنطقة، على إيقاع احتجاجات صاخبة تتسع من يوم إلى آخر، وتشهد ارتفاعا ملحوظا في درجات منسوب الغضب والاحتقان بين السكان، ما أصبح معه الوضع مفتوحا على المجهول، وينذر بحدوث اضطرابات خطيرة تهدد الاستقرار والسلم الاجتماعي بجل الحواضر الشمالية والمناطق المجاورة لها.

منذ الحادث الدراماتيكي، الذي شهده المعبر الحدودي “طاراخال2” في أواخر غشت الماضي، وراحت ضحيته امرأتان مغربيتان من جراء الازدحام والتدافع القوي، قررت السلطات الأمنية الاسبانية ونظيرتها المغربية إغلاق المعبر نهائيا في وجه آلاف المغاربة الذين يمتهنون التهريب بمختلف أشكاله، وأغلبهم من النساء “الحمالات”، اللواتي يعملن على حمل أكياس ضخمة مملوءة بالبضائع الإسبانية فوق ظهورهن والعبور بها إلى الأراضي المغربية.
وخلف هذا القرار، استياء وتذمرا بالغين في أوساط سكان المنطقة، خاصة ممتهني التهريب المعيشي، الذين يصنفون ضمن الشرائح الأكثر تضررا من جراء إغلاق المعبر في وجوههم، سيما أنهم يعتمدون في الحصول على لقمة عيشهم من الدخل والأرباح التي يجنونها من التهريب، بالإضافة إلى التجار وأصحاب المقاهي والمطاعم بمدن الفنيدق والمضيق ومرتيل وتطوان، التي عرفت أسواقها في الآونة الأخيرة حالة من الركود والكساد غير المسبوقين، وجعلت بعض تجارها يقفون على حافة الإفلاس، وهو ما دفع بالمتضررين إلى خوض احتجاجات تطالب بإعادة فتح المعبر في وجه التهريب أو إيجاد حلول بديلة في أقرب الآجال.

مسيرات احتجاجية

مباشرة بعد إعلان السلطات الاسبانية عن إغلاقها للمعبر الحدودي “طارخال” في وجه أنشطة التهريب بكل أصنافها، برزت حالة من التوتر والاحتقان بين سكان المدن والمناطق المحيطة بالثغر المحتل، وبدأت الحركات الاحتجاجية تتصاعد يوما بعد آخر، بعض منها نظم بداخل المدينة المحتلة للضغط على السلطات الاسبانية وإرغامها على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه سابقا، وأخرى خاضها السكان بجوار المعبر الحدودي المقفل، فيما فضل غاضبون آخرون نقل احتجاجاتهم إلى مقر عمالة المضيق الفنيدق، باعتبارها المسؤولة عن المركز الحدودي الذي يفصل المغرب عن مدينة  سبتة المحتلة.
وأمام تشبث السلطات الاسبانية بقرار الإغلاق، الذي اعتبر من قبل المحتجين “غير مبرر”، ارتفعت درجات الاحتجاج والغضب والانفعال، ما أدى في بعض الأحيان إلى احتكاكات وملاسنات مع الشرطة المغربية، كما هو الحال مع الأمن الإسباني، الذي لجأ في كثير من الأحيان إلى التدخل بالعنف لمنع حشود المحتجين من عبور الحواجز الاسبانية، ومطاردتهم والاعتداء عليهم داخل التراب المغربي، باستخدام الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع.
وعبر عدد من المواطنين الذين التقت بهم “الصباح” عن غضبهم وامتعاضهم من المآسي والحكرة التي يعاني منها مغاربة الشمال داخل “معبر الذل” واستفزازات الأمن الإسباني الذي أصبح يستهدف حريتهم في التنقل وسلامتهم البدنية، مستغربين من الموقف السلبي للسلطات المغربية تجاه تلك الاعتداءات السافرة وغير المقبولة، مطالبين السؤولين المركزين والإقليميين بوضع حل نهائي لمشاكل عبور الحدود الوهمية بما يضمن كرامتهم، أو البحث عن بدائل حقيقية تضع حدا لكل الأنشطة التجارية غير مهيكلة عبر إستراتيجية تنموية واضحة.

حقوقيون يدخلون على الخط

أمام هذا الوضع المتأزم، بادر نشطاء حقوقيون بالمنطقة إلى تنظيم ندوات ولقاءات استضافت أساتذة باحثين وفاعلين مدنيين وإعلاميين متخصصين، شخصوا الوضع الاقتصادي والحقوقي وآفاق الرهان التنموي بالمنطقة، حيث أكد جميع المتدخلين أن حالة التوتر والغليان التي تعيشها المدن الشمالية هي نتيجة حتمية للإقصاء والتهميش الذي طال المنطقة لسنوات عديدة، وعدم إيجاد بدائل وحلول عملية لأزيد من 30 ألف شخص ممن يمارسون “التهريب المعيشي”، ويرتادون المعبر بشكل يومي بحثا عن دخل يعيلون به أسرهم، بالإضافة إلى آلاف آخرين مرتبطين بشكل مباشر بأنشطة محظورة كالتطرف والتهريب والاتجار في المخدرات وغيرها…
وأجمع المشاركون، في ختام ندوة نظمها أخيرا مرصد الشمال لحقوق الإنسان بمدينة مارتيل، على أن النموذج التنموي الحالي غير قادر على تلبية تطلعات ومتطلبات السكان بمنطقة الشمال، مبرزين أن الحل لن يكون إلا بإرساء ديمقراطية تشاركية حقيقية، لأن المعبر، حسب رأيهم، ما هو إلا مظهر من مظاهر الخلل في التوزيع العادل للثروات وغياب الحكامة وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة…
كما طالبوا بالاستفادة من المؤهلات الطبيعية للمناطق الشمالية، والاستثمار في الشباب ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وكذا تخصيص مساعدات عاجلة لفائدة الفقراء والمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة الذين يمتهنون التهريب في المعبر الحدودي، متسائلين في الوقت نفسه عن سبب إقصاء أبناء المنطقة من المشاريع الاقتصادية التي تقيمها المؤسسات الخاصة والعامة، كالميناء المتوسطي والمناطق الحرة والمركبات السياحية… التي كان من المفترض أن ترفع التهميش والإقصاء عن المنطقة.

وعود السلطات

لم يخف مسؤول بعمالة المضيق الفنيدق قلقه الشديد لما وصل إليه الوضع بالجماعات الترابية التابعة لنفوذ العمالة وباقي الجهة، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى وجهة مفضلة لآلاف “المهربين” القادمين من مختلف المدن المغربية، الذين تمكنوا، في ظروف غامضة، من الحصول على شهادات سكن بالمنطقة، استخرجوا بواسطتها جوازات سفر مكنتهم من الدخول للثغر المحتل دون حاجتهم لتأشيرة العبور، وهو ما رفع من أعداد الباحثين عن لقمة العيش وحول المعبر إلى “ممر للموت” بامتياز.
وقال المسؤول، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، إن “قرارات إغلاق أو فتح المعبر تبقى شأنا داخليا يخص السلطات الأمنية الإسبانية، التي تعمل بتنسيق مع السلطات المركزية المغربية، الساعية إلى التوفيق بين مجموعة من الإكراهات المعقدة، منها ما هو مرتبط بالبعد الإنساني والاجتماعي لهؤلاء المواطنين المشتغلين في التهريب المعيشي، ومنها ما يتعلق بضمان حماية الاقتصاد الوطني المهيكل”.
وأكد المسؤول، في لقاء أجرته معه “الصباح” بمقر العمالة، أن مراكز القرار عاكفة على دراسة الوضع بشكل دقيق من أجل بلورة برنامج تنموي بالجماعات الترابية التابعة لنفوذ عمالة المضيق الفنيدق وباقي المناطق الشمالية عموما، يهدف إلى تحسين مدخول السكان عبر الرفع من مؤشرات التنمية البشرية بهذه المناطق، وإعطاء فرص أخرى لهؤلاء المواطنين حتى يتمكنوا من تعزيز وتنويع قدراتهم الاقتصادية، مؤكدا أن التهريب يعيش مراحله الأخيرة ولا بد له أن يتوقف مستقبلا بشكل أو بآخر”.

“طاراخال”… ممر للإهانة
“طاراخال2″، المعبر الحدودي المعروف لدى سكان المناطق الشمالية بـ “الديوانة”، هو ممر يقع تحت السيادة الاسبانية، افتتح في منتصف يناير الماضي (2017) ليعوض معبر الأسلاك الشائكة “طاراخال1″، ويخفف من الاكتظاظ والازدحام أثناء دخول ممتهني التهريب إلى أسواق المدينة المحتلة، وخلال رحلة عودتهم وهم محملون بسلع اسبانية وأخرى مجهولة المصدر.
ومن أجل الحفاظ على النظام وضمان سلامة الأشخاص داخل المعبر، فرضت السلطات الاسبانية إجراءات مشددة على العابرين سواء في الدخول أو الخروج، ومن أهمها الفصل بين الرجال والنساء وتحديد عددهم في أربعة آلاف عابر يوميا، مع التشديد في مراقبة وزن الكمية المحمولة، التي يجب أن لا تفوق 30 كيلوغراما للشخص الواحد، بالإضافة إلى ضرورة التوفر على تذكرة العبور.
ونظرا لحرص السلطات الإسبانية على تطبيق هذه الإجراءات، وتشديد المراقبة من الجانب المغربي، لجأ أباطرة التهريب، خاصة الذين تقلصت أرباحهم جراء هذه الإجراءات الصارمة، إلى افتعال المشاكل وتسخير الشيوخ والنساء وأشخاص في وضعية إعاقة لإثارة الرأي العام والضغط على السلطات الاسبانية والمغربية لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه سابقا، وهو ما جعل المعبر يشهد يوميا مشاكل واصطدامات خطيرة، أسفرت في النهاية عن مصرع أربع نساء، تتراوح أعمارهن بين 34 و54 سنة ويتحدرن من مدن الفنيدق وشفشاون والقنيطرة، وذلك في فترات متفرقة بسبب الازدحام والتدافع الشديد، الذي أدى إلى سقوطهن تحت الأرجل وتعرضهن للدهس والاختناق، فيما نجت أخريات من موت محقق، بعد أن أصبن بجروح متفاوتة الخطورة نقلن على إثرها إلى المستشفى الإقليمي بالمضيق حيث تلقين هناك العلاجات الضرورية.
وإثر هذه الأحداث المؤسفة، قررت السلطات الإسبانية بتنسيق مع نظيرتها المغربية، إغلاق المعبر الفاصل بينهما ضمانا لحياة الأفراد وخوفا من تكرار حوادث مماثلة، وذلك في انتظار ما ستسفر عنه المشاورات بين الطرفين.

الدعوة إلى فرض “الفيزا”

أوصت المفوضية الأوربية السلطات الاسبانية بفرض تأشيرة “شينغن” على كل المغاربة الراغبين دخول المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية، للحد من الفوضى وتخفيف العبء الكبير الذي تتحمله السلطات الأمنية جراء الأعداد الهائلة التي تتوافد يوميا على المدينتين.
وجاء تدخل المفوضية الأوربية نتيجة الأحداث المؤسفة التي شهدها، أخيرا، معبر “طاراخال” الجديد، حيث قامت بإرسال لجنة خاصة لمعاينة معابر سبتة ومليلية من أجل تقييم الأوضاع بها، وإعداد تقرير مفصل ستعلن فيه المفوضية عن الإجراءات الكفيلة بالحد من الفوضى والمشاكل المزمنة داخل المعابر الحدودية، وذلك وفقا للمبادئ الحقوقية والقوانين الدولية والإنسانية المتعارف عليها.
وشددت اللجنة في توصية أولية، على ضرورة تطبيق أنظمة صارمة لمراقبة وتعزيز الأمن بالمعابر الحدودية، مؤكدة في الوقت نفسه على العمل بميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوربي، خاصة المادة 31 منه، التي تنص على أن “لكل عامل الحق في العمل في ظل ظروف عادلة ومنصفة تحترم صحته وسلامته وكرامته”.
وتقول اللجنة إن “الاتحاد الأوربي اعتمد مجموعة واسعة من التشريعات بشأن مختلف جوانب ظروف العمل والصحة والسلامة التي يشتغل فيها مهربو السلع المغاربة”، مؤكدة أن السلطات المحلية بسبتة ومليلية مسؤولة عن بعض الحالات المحددة التي يتعرض فيها النساء المغربيات العاملات في مجال التهريب لانتهاكات حقوقية ومعاملات حاطة بالكرامة الإنسانية.
واشتكت السلطات الإسبانية بمدينة سبتة، الاتحاد الأوربي بشأن المشاكل التي تعترض قواتها الأمنية نتيجة التدفق الهائل لأعداد المهربين والمهاجرين الأفارقة على حدودها الوهمية، حيث وصف رئيس الحكومة المستقلة بسبتة المحتلة “خوان فيفاس” الوضعية بـ “الخطيرة”، وهو ما جعله يستعين في الآونة الأخيرة بعناصر أمنية جديدة، متوعدا بالعمل على اتخاذ كل الإجراءات الضرورية لإنهاء هذه المعضلة.

آراء حقوقييـن

توفير حلول بديلة

أعتقد أن الأوضاع المتوترة، التي تعيشها المنطقة الشمالية في الآونة الأخيرة، تعكس الحالة الاجتماعية المتدهورة التي وصل إليها أغلب المواطنين بالمنطقة، خاصة الذين يكسبون قوتهم اليومي عن طريق التهريب والأنشطة الموازية له.
فبعد إصدار قرار إغلاق المعبر الحدودي “طاراخال”، أقفلت جميع الأبواب في وجه هذه الشريحة المجتمعية، التي تقدر بالآلاف من رجال ونساء، وأصبحوا عرضة للضياع في ظل عدم وجود أي حلول بديلة يوفرون بها الرزق لأسرهم وعوائلهم المحتاجة، إذ أصبح من الضروري على الدولة إيجاد حلول عاجلة وآنية قبل أن يتطور الوضع إلى ما هو أسوأ.
فإغلاق المعبر دون إيجاد حلول جذرية للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية لمغاربة الشمال، يجر المنطقة إلى المجهول، سيما أن المسؤولين يبحثون دائما عن حيل مؤقتة بدلا من وضع برامج عملية تنموية لفائدة أزيد من 30 ألف شخص يرتادون المعبر بشكل يومي في ظروف حاطة بكرامة الإنسان.
محمد بن عيسى (رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان)

عن ONDHM

شاهد أيضاً

بــــلاغ: 280 مهاجر من أصل 1712 يصلون إلى ” الحلم الأوروبي ” خلال فبراير 2018

Share this on WhatsAppسجلت نشرة دينامية الهجرة لشهر فبراير 2018 التي يصدرها مرصد الشمال لحقوق …

رئيس المرصد يدعو السلطات المغربية إلى منح 5 من مهاجري الروهينغا صفة لاجئين

Share this on WhatsAppدعى محمد بن عيسى رئيس مرصد الشمال لحقوق الانسان السلطات المغربية الى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *